فوزي آل سيف
395
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
وكما انتهت شهور العسل تلك إلى سنين الدماء، فقد كان لزاماً على الجميع والوضع كذلك أن يحددوا مواقفهم السياسية فضلاً عن الدينية والعقيدية. ووجد علي نفسه أمام تحديين خطيرين، فهو ببقائه في بلاط هارون سيكون شريكاً في الدماء العلوية التي تسفك على مذبح الإصلاح، وسيفاً في يد الحكم العباسي عليهم، وإن ترك هذا الموقع فهذا يعني تحويله إلى المعارضة في نظر الحكم العباسي الذي لا يرحم إذا وصل الأمر إلى المعارضة السياسية، لقد ذبح المنصور بيده أقرب أعوانه والمؤسس الحقيقي لدولة العباسين أبا مسلم الخراساني لأنه «شم«منه رائحة المعارضة والمنافسة. فماذا يصنع؟!. لقد كان يفكر أياماً وليالي، وتنازع في قلبه الدين والدنيا.. فمن جهة قد يفقد دينه ومن أخرى قد يفقد رأسه.. وحسم الأمر.. فماذا ينفعه موقفه في البلاط، ودنياه لو قدم على الله يوم القيامة ويده ملوثة بالإعانة على أهل بيت النبي؟! و إذا كان التقية دينه ودين أئمته فإنها في كل شيء حتى تصل إلى الدماء فلا تقية، ولذلك كتب لقائده وإمامه موسى بن جعفر (الكاظم) ليستأذنه في الاستقالة من عملهم لأنه لا يستطيع أن يرى تلك المظالم، بل يخشى أن يكون شريكاً فيها، بصرف موقعه في الحكم. وجاء الجواب له من الإمام، حاسماً بالرفض، وهادياً إلى الطريق الأمثل: (لا تفعل فإن لنا بك أنساً، ولإخوانك بك عزاً وعسى الله أن يجبر لك كيداً أو يكد بك نائرة المخالفين عن أوليائه، يا علي كفارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم.. اضمن لي واحدة، أضمن لك ثلاثاً، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلا قضيت حاجته وأكرمته. وأضمن لك أن لا ينالك سقف سجن أبداً ولا ينالك حد السيف أبداً ولا يدخل الفقر بيتك أبدا. يا علي من سر مؤمنا فبالله بدأ وبالنبي ثنّى وبنا ثلّث.([230]) وامتلأ علي غبطة بهذا الجواب، فقد أخرجه من مأزق عظيم، أخرجه من مأزق الشرعية، فهو يستطيع الآن أن يطمئن كمال الاطمئنان إلى أن عمله الذي يقوم به وهو في قصر هارون، عبادة لا تقل عن سائر العبادات، بعد أن أصبح برضا الإمام المعصوم، بل وبأمره به، وإضافة إلى ذلك فقد ضمن له الإمام دنياه، وأنه لن يصاب بالبلاء، وعليٌّ شديد الاعتقاد بكلام إمامه. بقي أن يضمن تلك الواحدة وهي قضاء حوائج أولياء الإمام وشيعته. فلننظر كيف تصرّف، وكيف أكمل المهمة؟! خصوصاً إذا عرفنا أن بعض الثوريين لا يستطيعون البقاء طويلاً متنكرين، بل يكتشفون بسرعة من قبل أعدائهم وهم في الخارج، فكيف إذا كان في فم السبع في بلاط الحاكم وجل يومهم ووقتهم هناك، وحركاتهم مراقبة؟ وأعمالهم محسوبة؟! وفوق كل ذلك فإن روحهم الثورية لا تترك لهم مجالاً لأن يروا الحاكم يظلم الناس ويهتك دين الله وهم ينظرون!!. لقد استطاع علي بن يقطين بتسديد الإمام الكاظم له أن ينجز الأعمال المطلوبة منه وأن يستمر في عمله، في الوقت الذي بقي فيه على عقيدته، بل وعلى دعمه للإمام مالياً، وتزويده بالأخبار والمعلومات التي تنفعه وتنفع شيعته في اتقاء مطاردة السلطات. لكن بقي أن يحوز على الثقة المطلقة لدى البلاط، فلا يكفي أن يكون مرضياً عنه عند الإمام ليكون قادراً على إنجاز مهماته، إذ أنها ترتبط بالحكومة والبلاط، وما لم يحز على الثقة المطلقة، فإنه لن يكون قادراً.. فماذا يصنع لكي يحصل عليها؟!. إن مثله عرضة للوشايات والسعايات سراء من قبل أعداء أهل البيت حيث لن يسكنوا وهم يرون من يتبع الأئمة ويواليهم يتولى أحد أخطر المناصب في الدولة، وكذلك من قبل ذوي الطموح
--> 230 )بحار الأنوار 48/ 136.